ابن الأثير

330

الكامل في التاريخ

وما يحتاجون إليه ، فوقع عليها شواني المسلمين ، وقاتلوهم ، فظفروا بالمرمّة وبما معها من الحرّاقات وأخذوها ، فلمّا رأى الفرنج ذلك سقط في أيديهم ، ورأوا أنّهم قد ضلّوا الصواب بمفارقة دمياط في أرض يجهلونها . هذا وعساكر المسلمين محيطة بهم يرمونهم بالنشاب ، ويحملون على أطرافهم ، فلمّا اشتدّ الأمر على الفرنج أحرقوا خيامهم ، ومجانيقهم ، وأثقالهم ، وأرادوا الزحف إلى المسلمين ومقاتلتهم ، لعلّهم يقدرون على العود إلى دمياط ، فرأوا ما أمّلوه بعيدا ، وحيل بينهم وبين ما يشتهون ، لكثرة الوحل والمياه حولهم ، والوجه الّذي يقدرون على سلوكه قد ملكه المسلمون . فلمّا تيقّنوا أنّهم قد أحيط بهم من سائر جهاتهم ، وأنّ ميرتهم قد تعذّر عليهم وصولها ، وأنّ المنايا قد كثّرت لهم عن أنيابها ، ذلّت نفوسهم ، وتكسّرت صلبانهم ، وضلّ عنهم شيطانهم ، فراسلوا الملك الكامل والأشرف يطلبون الأمان ليسلّموا دمياط بغير عوض ، فبينما المراسلات متردّدة إذ أقبل جمع كبير ، لهم رهج شديد ، وجبلة عظيمة ، من جهة دمياط ، فظنّه المسلمون نجدة أتت للفرنج ، فاستشعروا ، وإذا هو الملك المعظّم ، صاحب دمشق ، قد وصل إليهم ، وكان قد جعل طريقه على دمياط ، لما ذكرناه ، فاشتدّت ظهور المسلمين ، وازداد الفرنج خذلانا ووهنا ، وتمّموا الصلح على تسليم دمياط ، واستقرّت القاعدة والأيمان سابع رجب من سنة ثماني عشرة وستّمائة ، وانتقل ملوك الفرنج ، وكنودهم ، وقمامصتهم إلى الملك الكامل والأشرف « 1 » رهائن على تسليم دمياط ملك عكّا ، ونائب باب صاحب روميّة ، وكندريش ، وغيرهم ، وعدّتهم عشرون ملكا ، وراسلوا قسوسهم ورهبانهم إلى دمياط في التّسليم ، فلم يمتنع من بها ، وسلّموها إلى المسلمين تاسع رجب المذكور ، وكان يوما مشهودا .

--> ( 1 ) . والأشرف . mo . A